51

السنة -

15739

ه - العدد

1423

شعبان

من

1

- م

2002

أكتوبر

من

14

الاثنين

 

بتوقيت القاهرة

10:19:34 PM

الساعة -

04/03/01

آخر تحديث يوم

      الرأي للشعب

 

 

 

أمة على الهامش

بقلم الدكتور: جمال سلامة

 

 

تتفاوت مواقف و انطباعات المرء منا حينما ينظر إلى واقع أمته فيراها و قد ابتليت بكافة أنواع الشرور و المحن لاسيما بعد المجازر التي ترتكبها عصابات جيش الاحتلال الصهيوني ضد غزة - في ظل حالة "اللا حول واللا قوة" التي يكتسي بها العرب، فالبعض قد ينتابه اليأس و القنوت فينأى بنفسه جانباً ضاناً بجهده أو وقته عن الانشغال بتلك المسائل،والبعض الأخر ينغمس في تبريرات سفسطائية لهذا الهزال العربي انطلاقاً من نظرية المؤامرة، و آخرون هم الذين يحاولون إيجاد صياغات تبريرية من باب محاولة تعزية النفس ونفض المسؤولية عن الذات - على أساس أن التحديات الخارجية التي تواجهها أمتنا هي أصل البلاء.

 

في السياق السابق و برغم سطحية كثير من الرؤى المشار إليها - فإننا قد لا نجد ضيراً من أن ينساق البعض لتلك الرؤى، غير أن مكمن الخطر الذي يجب التحسب له يأتي من جانب آخرون، وهم ممن يمكن تسميتهم بمنظروا الهزيمة، و هم طابور يعمل بلا كلل أو ملل لصياغة إطار يمنطّق حالة الخنوع العربي و فرضه كحالة تلازمنا انطلاقاً من معيار الواقعية الخادع.

وقد يظن البعض أن هؤلاء هم مجرد نفر أصيبوا بحالة من الانهزامية وانعدام المناعة نتيجة حالة العجز والقهر والتخلف التي تظلل عالمنا العربي، فيئسوا من كل شيء فراحوا ينسلخون من جلودهم وأفرغوا عقولهم خاصة بعد الهزائم المتلاحقة التي منيت بها أمتنا.

 

كل هذا يمكن تفهمه و مناقشته، إلا أن ما لا يمكن تفهمه هو تلك الحالة الغريبة بل المريبة التي يبدو عليها البعض ممن آثروا الانسحاق تحت زعم الواقعية.

 

بالطبع نحن لا ننكر أهمية الواقعية، ونعلم بالقطع أن كثير من التحديات الحالية تتعاظم على قدراتنا، لذا و من هذا المنطلق فإن تلك الواقعية يجب أن تكون دافعاً ومنطلقا لحشد الطاقات وتوظيف الموارد وتنسيق الأدوار لزيادة قدرات الأمة - لا أن تعني الواقعية القبول بالأمر الواقع والتقوقع في شرنقة الاستكانة.

فالواقعية التي يترجمها المثل الشعبي القائل "على قد لحافك مد رجليك" لا تعني مطلقاً أن نظل منكمشي الأرجل، و لا أن نقطع أرجلنا لكي تتناسب مع حجم الألحف، بل يجب أن تترجم في صورة جهود لإطالة الألحف، لا تقطيع الأرجل.

 

إذن فبنظرة أكثر عمقاً قد يدرك المرء أن أكبر المحن التي نواجهها في عالمنا العربي ليست في التحديات التي تأتينا من الخارج، أو تلك الماثلة في تواجد أجنبي عارض سيزول حتماً و يتداعى مثلما تداعت علينا الأمم من قبل، بل أن اشد تلك المحن هي نتاج ما كسبت أنفسنا، و هي التي تأت من داخلنا لتعكس أنانية البعض و سفه آخرين.

 

فما نشهده يؤكد أن أمتنا تأخذ منحنى معكوس تبدو معها مسيرة التطور التاريخي في صورة مقلوبة، فبدلاً من أن نحذو حذو الأمم والجماعات الأخرى القريبة منا التي تتجه نحو الالتحام والوحدة - نجد أن هناك ميلاً كبير إلى التفتت و التشرذم، لدرجة اقتربت معها أمتنا إلى حد أن يصفها البعض بالأمة العربية المزعومة بدلاً من أن كنا نصف إسرائيل في السابق بإسرائيل المزعومة.

 

قطعاً نحن لا ننكر كلياً أثر التحديات الخارجية الهائلة، لكن إذا سلمنا بذلك فإن هذا لا يعني تبرئة النظام الإقليمي العربي من المسئولية، فهذا النظام يبدو وكأنه خارج نطاق الحدث ونطاق المسئولية - فالغريب أن النظام الإقليمي العربي الذي لم يسبق أن واجه تحدياً بمثل هذه القوة والغطرسة تجده دائما ملتحفاً باللامبالاة ليداري عجزاً .. وكأنه ليس بكاف على هذا النظام أنه لم يستطع المحافظة على رابطه التاريخي- لنجده الآن في سبيله إلى التفسخ من إطاره الجغرافي.

 

فحينما تدور الدوائر لا نختار إلا الدوران في فلك مركزه الشك والوقيعة ومنتهاه عزل المجتمعات العربية ذات الفائض المادي عن محيطها الطبيعي، ناهيك عن هذا التشويه المنظم للنسق الثقافي والاجتماعي لتلك الشعوب من خلال تسييد أنماط غريبة أو غربية كنمط معيشي استهلاكي وثقافي.

 

وكما هنا على أنفسنا، فلم نعد في نظر الغير إلا بمثابة حقلاً ومرتعاً لممارسة كل وسائل الترغيب والضغط لترويج مشروعات اقتصادية لم تحقق أي نمو أو تطور، وتمرير صفقات تسلحية لم تحقق أي أمن ولم تعد بالنفع إلا على طفيليي الوساطة والسماسرة، و التدثر بمشاريع و خطط أمنية لم تصد غزواً ولم تسترد حقاً مسلوباً.

و من ثم أصبحت أمتنا في مواجهة حقيقة لا تستطيع إنكارها وهي أن أمنها وسياساتها ومستقبل تنميتها باتت كلها من المسائل التي تخرج عن نطاق سيطرتها المباشرة.

 

لقد كان البعض في الماضي يرفض وينفي بشدة أن يشار إليه بالاتهام بوجود قواعد أجنبية على أرضه أو حتى مجرد تقديم تسهيلات عسكرية لقوات أجنبية،أما الآن فإننا نجد أن هذه المسألة لم يعد البعض ينفها أو يتحرّج منها، بل أنه أصبح يستقّوّي بها على نظرائه العرب،بل أن هذه العلاقات قد دفعت البعض ممن يملكون ولا يقدرون وحتى أولئك الذين لا يملكون و لا يقدرون إلى المطالبة بإعادة توزيع الأدوار داخل النظام العربي استناداً إلى متغيرات مرحلية أتاحت لهم ممارسة بعض الأدوار التخديمية.

 

نصل إلى نقطة أخيرة .. فهناك تساؤل يطرحه كل منا بإلحاح، و هو: لماذا أصبحنا أمة على الهامش؟

إذا تمعن المرء قليلاً في قراءة ما سبق لن يجد أي عناء في الحصول على الإجابة .. تُرى هل يكفي ما سبق؟ أم نُزيد ؟

 

حسناً سنزيد .....

لقد أصبحنا أمة على الهامش حينما صمت الحكماء و تحدث السفهاء.. وحين تعرى المثقفون من شعاراتهم .. وحين استخف الفراعين أقوامهم.. و حين خان الجند أوطانهم .. و حين تقلد القادة الأوسمة من أعدائهم.. و حين باع العلماء أسرارهم .. و حين بايعنا العدو و بعنا الصديق.. و حين تركنا الفقر و حاربنا الفقراء .. و حين فسق المُترفون و كثر المُعدمون .. و حين تفاخرنا باعوجاج ألسنتنا، و تباهينا بانحسار ألبستنا.. و حين نمنا بملء جفوننا بعد أن شاهدنا أخوة لنا تُقتل، و بيوتاً لهم تُهدم، و عظاماً لأطفالهم تُسحق.

 

كاتب المقال: خبير في الشئون السياسية للشرق الأوسط



 


أعلي الصفحة

إرسل الصفحة إلي صديق

إطبع الصفحة

إحفظ هذه الصفحة في المفضلة

 

 

العدد الحالي

الأعداد السابقة

 

 

 

 

الصفحة الأولي

مقالات ورأي

تحقيقات

أخبار الناس

الرأي للشعب

أخبار عربية وعالمية

أخبار محلية

اقتصاد

رياضة

راديو وتلفزيون

حوادث وقضايا

إلي المحرر

الصفحة الأخيرة

 

 

  

دفتر الزوار

  |  

دليل المواقع

  |  

الاشتراكات

  |  

الإعلانات

  |  

خريطة الموقع

  |  

البحث

  |  

الأعداد السابقة

  |  

إتصل بنا

  |  

مساعدة

  

 

  

الإعلانات المبوبة

 | 

أكاديمية أخبار اليوم

 | 

بلبل

 | 

أخبار السيارات

 | 

أخبار الحوادث

 | 

أخبار النجوم

 | 

أخبار الأدب

 | 

أخبار الرياضة

 | 

آخر ساعة

 | 

الأخبار

 | 

أخبار اليوم

  :شبكة أخبار اليوم

  

 

 

All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.

للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: