53

السنة -

16352

ه - العدد

1424

رجب

من

 22

- م

2004

سبتمبر

من

7

الثلاثاء

 

بتوقيت القاهرة

08:56:35 ك

الساعة -

19/09/2004

آخر تحديث يوم

      الرأي للشعب

 

 

نظـريــة البــويــة !!

 

بقلم الدكتور : جمال سلامة علي

تمثل المباني الأثرية والتاريخية إضافة إلى التراث الإنساني والحضاري لكل أمة، لذلك نجد في كل دول العالم اهتماماً وحرصاً شديداً للعناية بتلك المباني للحفاظ على حالتها دون إي تغيير - سواء كانت تلك المباني شاغرة آم مشغولة.

 

       وفى الأسبوع الماضي كنت في زيارة إلى العاصمة الفرنسية باريس، وبحكم شغفي بالأماكن ذات التميز الحضاري فإن أهم الأشياء التي كان لها نصيب وافر في جذب اهتمامي هو ذلك التناغم المعماري الفريد الذي تتسم به معظم إحياء باريس، فحينما يمر المرء وسط تلك الإحياء يحسب أن الزمن قد عاد به إلى قرنين أو أكثر، فالمباني التي بنيت في أواخر القرنين الثامن والتاسع عشر تجدها على نفس الحالة وكأنها قد بنيت البارحة، وبرغم أن جميع تلك المباني والعمارات مازالت مشغولة بساكنيها إلا أن أياً من المالك أو الساكن لا يجرؤ على القيام بأي تعديل يوثر على الطابع المعماري لتلك المباني سواء من الداخل أو الخارج، بل لا نجد أي إعلان أو يافطة موجودة على تلك المباني تشوه طابعها التاريخي والجمالي، فضلاً عن أن واجهة المبنى من حيث اللون والخامة المستخدمة في بنائها أو تشطيبها لم يطرأ عليها تغيير، فكل ما يحتاجه المبنى هو نظافة وصيانة دورية أو ترميم باستخدام نفس مواد البناء والتشطيب.

* * *

   هذا الأمر لا تنفرد به فرنسا، بل هو شيء من الثوابت التي تحرص عليها معظم الدول، فقد سبق لي زيارة العاصمة السورية دمشق وكان ضمن برنامج الرحلة تفقد المنازل ذات القيمة التاريخية في دمشق، وكانت المفاجأة أن تلك المنازل مازالت مشغولة بأصحابها، وكان من المثير للدهشة أنك تتفقد المنزل فتجده في حالة فريدة من الصيانة والنظافة وكأنك أطللت عليه من نافذة التاريخ، وتجد أصحابه أو شاغليه جالسين حول نافورة أو فسقية وسط فناء المنزل يرحبون بك ويتبادلون معك الحديث دون أن يتبرموا من كثرة الزيارات السياحية على منازلهم، مع العلم بأنهم لا يحصلون على أي مقابل مادي سواء من السائح أو من الشركات السياحية.

 

       وبرغم أن بلدنا الحبيب يذخر بتراث معماري فريد من المباني التي بنيت في القرنين الماضيين - إلا أن اهتمامات المسئولين في وزارة الثقافة يبدو أنها مازالت تنحصر في الحفاظ على المباني التي تنتهي بالعصور المملوكية، أما المباني التي بنيت على الطراز الأوربي بدءً من عصر محمد على انتهاءً بعصر ما قبل ثورة 23 يوليو -  فأمرها ومصيرها موكل إلى المجهول والقرارات العشوائية.

* * *

      ومن المفيد هنا أن نذكر أن الأيام القليلة الماضية قد جاءت لتحمل بارقة أمل متمثلة في إنشاء جهاز التنسيق الحضاري الذي يمكن أن يضطلع بمسئولية حماية تلك المباني ذات الطابع المعماري الفريد، لذلك نأمل أن يقوم هذا الجهاز بوضع خطة لصيانة وحماية تلك المباني بالتنسيق مع محافظتي القاهرة والإسكندرية الزاخرتين بالعديد من تلك المباني خاصة في مناطق الوسط. فتلك المباني لم تجد دوما من يتعهدها بالحماية والصيانة إما لأن أصحابها هجروها زهداً في عائدها المادي، أو أن كثيراً منها قد آلت ملكيتها إلى الأوقاف أو شركات التأمين وبالتالي لم تستطيع تلك الجهات أولم ترغب في الحفاظ على أصالة تلك المباني، وهذا الأمر يرجع إلى عقود من الزمن تبدأ من فترة الستينات حيث أصبح المالك فيها لا يستطيع أن يدير ما يملكه في ظل سطوة المستأجر، ومن ثم تدهور حال تلك المباني - حيث التشويهات المتعمدة من قبل مستأجري الوحدات شققاً كانت أو مكاتب، لذلك أصبح حال تلك المباني التي تتركز في منطقة وسط القاهرة وشارع الأزهر كحال اليتيم الذي لا يجد من يتعهده بالرعاية.

* * *

    ففي ظل حالة من العشوائية وطبقا للقول المأثور "جه يكحلها عماها" تفتق ذهن البعض عن حيلة ماكرة للتعامل مع تلك المباني تتمثل في طلاء عشوائي لتلك المباني بدهانات غاية في القبح - شوهت أكثر مما جملت.  وبدلاً من أن يوكل الأمر لمتخصصين وخبراء في الترميم - فقد أوكل الأمر لصبية النقاشين، فتاهت وساحت معالم معظم المباني وراء تلك الدهانات الرخيصة، وبدت تلك المباني كشمطاء تخفى اثأر الزمن بمساحيق التجميل المغشوشة.

 

   أكثر من ذلك لم يسلم المتحف المصري نفسه بما يحمله من قيمة إنسانية وحضارية من عبث أصحاب "نظرية البوية" ... فتكفى زيارة واحدة إلى ميدان التحرير لكي تصطدم عيناك بالطلاء الأحمر القميء الذي يكتسي به كامل مبنى المتحف - بدءً من الأسوار والقباب والواجهة دون أي تمييز أو مسحة جمالية تبرر هذا العبث بمبنى غاية في الجمال المعماري.

* * *

     ويبدو أن مسألة الدهان بالبوية قد تعدت إطار المسلك الخاص لتصبح بمثابة نظرية لها منظرون وأتباع تتخذ شعارها من المثل القائل "قلل من النذر وأوفي" بل أن "نظرية البوية" تلك لم تعد حالة استثنائية في التعامل مع المباني - حيث امتدت إلى عديد من أوجه السلوك الإداري والوظيفي، فحينما يكون مطلوبا من جهة ما تطوير أدائها وتحسين كفاءتها نجد أن تلك المطالب تترجم في صورة عملية تجميل للمباني دون الاهتمام بجوهر العمل الوظيفي.

 

       في ظل ذلك قد لاندهش يوماً حينما يفاجئنا أحد الجهابذة باقتراح للقضاء على مشكلة السحابة السوداء أو تلوث الهواء - عن طريق دهن الهواء دوكو !!. 

 

كاتب المقال: مدرس العلوم السياسية بجامعة قناة السويس

افتفاصيف</< TD>

 


أعلي الصفحة

إرسل الصفحة إلي صديق

إطبع الصفحة

إحفظ هذه الصفحة في المفضلة

 

 

العدد الحالي

الأعداد السابقة

 

 

 

 

الصفحة الأولي

مقالات ورأي

تحقيقات

أخبار الناس

الرأي للشعب

أخبار عربية وعالمية

أخبار محلية

اقتصاد

رياضة

راديو وتلفزيون

حوادث وقضايا

إلي المحرر

الصفحة الأخيرة

 

 

  

دفتر الزوار

  |  

دليل المواقع

  |  

الاشتراكات

  |  

الإعلانات

  |  

خريطة الموقع

  |  

البحث

  |  

الأعداد السابقة

  |  

إتصل بنا

  |  

مساعدة

  

 

  

الإعلانات المبوبة

 | 

أكاديمية أخبار اليوم

 | 

بلبل

 | 

أخبار السيارات

 | 

أخبار الحوادث

 | 

أخبار النجوم

 | 

أخبار الأدب

 | 

أخبار الرياضة

 | 

آخر ساعة

 | 

الأخبار

 | 

أخبار اليوم

  :شبكة أخبار اليوم

  

 

 

All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.

للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: