قضايا و اراء

43043

‏السنة 127-العدد

2004

أكتوبر

11

‏27 من شعبان 1425 هـ

الاثنين

ترميم المشروع الصهيوني
بقلم : د‏.‏ جمال سلامة علي

   *‏ تكشفت العمليات الحربية الإسرائيلية الدائرة الآن في قطاع غزة والتي تسميها إسرائيل بـ"أيام الندم" الغطاء عن حجم التحديات التي يواجهها المجتمع الصهيوني ليس فقط على النطاق الأمني بل أيضا على نطاق المخاوف والهواجس المرتبطة بمستقبل الدولة العبرية وقدرتها على الاستمرارية في ظل استمرارية روح المقاومة لدى الفلسطينيين، وإذا كان البعض هنا مازال ينظر بنوع من اليأس أو الاستخفاف لتأثيرات المقاومة، إلا أن أخذ الأمور بظاهرها هو بمثابة تسطيح مخل، فنحن قد نتفق ظاهرياً مع بعض هذه الآراء ونقر بمحدودية تأثير ضربات المقاومة على الصعيد الميداني فقط، لكننا وبنظرة أكثر عمقاً وشمولاً وخلاف لما يذهب إليه البعض - نستطيع القول بأن المقاومة هي رأس الحربة للدفاع عن مجمل الأمة العربية في مواجهة المشروع الصهيوني، ويحسب للمقاومة الفلسطينية في هذا الصدد أنها حدت بشكل ملحوظ من حركة الهجرة اليهودية إلى هذا الكيان.

 

   وإذا كنا لا ننكر تأثير الآلة العسكرية الإسرائيلية وضرباتها المتلاحقة ضد المقاومة – إلا أن ذلك لا يجعلنا من جانب آخر أن ننكر التأثيرات بعيدة المدى لضربات المقاومة في العمق الصهيوني، وهذا في حد ذاته هو اكبر تحد يواجه إسرائيل منذ قيامها- فعلى مدى أكثر من نصف قرن من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي لم يشعر المجتمع الصهيوني بالتهديد المباشر أكثر من هذه الأيام، فكل الحروب التي خاضتها إسرائيل كانت تدور خارج حدود ما يسمى بأرض إسرائيل لذلك لم يذق المجتمع الصهيوني بشكل مباشر ألم الخسائر البشرية، أما الآن وقد تخلص الشعب الفلسطيني من عقدة الخوف وأسقط الأساطير التي نسجها الكيان الصهيوني عن نفسه فإن الحرب قد انتقلت من التخوم إلى العمق.

 

      ولعل ما سبق يلقي بعض الضوء على أسباب هذا التصعيد الأخير ضد الشعب الفلسطيني في القطاع وما تسميه إسرائيل بعملية أيام الندم وكلها تأتي على خلفية ما تحاول فرضه إسرائيل الآن وتسميه بـ"خطة فك الارتباط أحادي الجانب"، فإسرائيل في مأزق حقيقي، وشارون يعلم جيداً أنه لن يحقق ما يسميه بالأمن دون السيطرة على الأوضاع هناك وتحقيق حلم القضاء على المقاومة، وهو في نفس الوقت يدرك أن هذه العملية قد تكلفه ما لا يطيق ولن تؤت ثمارها -  فديناميكية المقاومة وقدرتها على التطور الذاتي يجعل من حلم القضاء التام على المقاومة مجرد أضغاث، وبالتالي فقد وجد شارون في خطته حلاً لمشكلة كانت ومازالت تؤرقه.

*****

    ويبدو أن هناك سيناريو أو تصوراً كان شارون قد أدرك احتمالاته وانعكاساته - الأمر الذي دفعه إلى تبني ما يسمى بخطة فك الارتباط الأحادي الجانب، فخطة شارون هي مشروع ترميمي لإنقاذ المشروع الصهيوني والحفاظ على هوية الدولة - وما الجدار العازل إلا بمثابة سياج لأعمال الترميم... فهذه الخطة تنطلق من رؤية استشرافية لواقع يتجه نحو التغير بصورة حادة إذا فشلت إسرائيل في تحرير نفسها من المناطق المحتلة ولاسيما قطاع غزة- فلم تعد انعكاسات الوضع في الأراضي المحتلة داخل القطاع والضفة أو مؤشراتها السلبية تقتصر فقط على ما يسمى بأمن إسرائيل بل على مستقبل وهوية الدولة، ومن ثم تأت الخطة المعنية كبديل معقول إسرائيليا - خاصة إذا نظرنا إلى البدائل الأخرى التي هي أكثر كلفة. فالبدائل المطروحة التي يتبناها الفصيل الآخر الأكثر تطرفاً الرافض لخطة شارون (التيار السياسي المتطرف والتيار الديني المتطرف) هي بدائل غير عملية ولا تحسب لصالح أمن أو وحدة الكيان بقدر مداعبتها لأحلام المتطرفين.

 

    فهناك بديل يتبناه التيار السياسي المتشدد وعلى رأسه بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء السابق ويدعو إلى عدم فصل تلك الأراضي حتى تستطيع أن تقتطع منها إسرائيل مستقبلاً وبالتدريج بما يتلاءم مع طموحات الهجرة والامتدادات الديموغرافية للمستجلبين الجدد، وهذا الوضع يتطلب بالضرورة من إسرائيل أن تعمل على تطوير نظام سيطرتها على الأراضي المحتلة من النظام الحالي إلى نظام جديد من نظم التفرقة العنصرية قد يفوق في بشاعته نظام (الأبارتهايد).

 

 غير أن الآثار المترتبة على هذا السيناريو قد تأت بنتائج عكسية وبصورة متناقضة، فمن شأن سيناريو كهذا أن يهيئ مستقبلاً لعملية اندماج تحذر منها دوماً إسرائيل، فمسألة استمرارية وضع القوة والتأييد الذي تتمتع به إسرائيل على المدى البعيد هو أمر مشكوك فيه في ظل قانون أو سنة التداول التي تحكم بقاء الأمم وما يصاحبها من تغير في الظروف الدولية والإقليمية، فمن شأن حدوث تغيير يخل بالأوضاع الدولية والإقليمية الحالية أن يلق بالضوء مرة أخرى على وضع الفلسطينيين داخل تلك الدولة العنصرية ويزيد الضغوط عليها كما حدث في حالة جنوب أفريقيا، وفي ظل تلك الأوضاع الجديدة ستبرز حالة جنوب أفريقيا كنموذج لتحقيق مصالحة على نحو تتقلص فيه الامتيازات التي اكتسبها اليهود بضغط القوة والأمر الواقع، وتفرض من جديد شروط وقواعد أخرى داخل الدولة أو النظام الجديد وفق معايير تحقق نوعا من المساواة بين اليهود والعرب - وهذا ما تحذر منه إسرائيل لأن فيه تذويب للهوية وضرب لأساس قيام الدولة. ويبدو أن السلطة الفلسطينية قد اتخذت من تلك المخاوف الإسرائيلية منطلقا للمناورة السياسية  حينما طرح احمد قريع فكرة إقامة دولة واحدة تتحقق فيها المساواة بين اليهود والعرب.

*****

  يبقى البديل الثاني الذي لا يقل كلفة عن البديل الأول ويتبناه التيار الديني المتطرف الذي يدعوا إلى القيام بعملية ترانسفير Transfer أي ترحيل أو طرد فلسطيني غزة إلى سيناء وفلسطيني الضفة إلى الأردن والعراق (هذا الطرح لم يعد مسألة يتم تداولها في الكتمان بل خرجت إلى حيز العلن من خلال تصريحات العديد من قادة الأحزاب الدينية المتطرفة) بالطبع فإن هذا البديل يتطلب استحقاقات لن يستطيع الجيل الحالي في إسرائيل تحملها برغم حالة القوة والشراكة الأمريكية، فضلاً عن عدم قدرة إسرائيل على توسيع دائرة المواجهة   بما تتضمنه من خلق حالة من التوتر الإقليمي سوف تنعكس بطبيعة الحال آجلاً أم عاجلاً على ما يسمى بأمن المجتمع الإسرائيلي.

 

   يضاف إلى ذلك كله عامل أكثر أهمية ويتعلق بالإستراتيجية الإسرائيلية التي بدأت تأخذ منحى أخر تراجعت في ظله أهمية التوسع والسيطرة الجغرافية مقارنة  بعنصر الهيمنة السياسية والتغلغل الاقتصادي، فتوسيع دائرة الصراع العربي الإسرائيلي من جديد هو أمر يصطدم مع إستراتيجية إسرائيل الرامية إلى تحقيق تغلغل اقتصادي وسياسي داخل النطاق الإقليمي العربي وهذا لن يتحقق في ظل توتير الحدود مع الدول العربية.

*****

      نأت إلى نقطة أخيرة تتعلق بالجرائم الحالية ضد الشعب الفلسطيني، فهذا التصعيد الإسرائيلي المتواصل يعكس أزمة مجتمع يفتقر احترام الذات لأنه لم يشعر يوما ما بالندم على ما اقترفته يداه من جرائم، لذا ليس بغريب أن تطلق إسرائيل على عملياتها الأخيرة اسم "أيام الندم"، ولنلاحظ معا دلالة المسمى أيام الندم فهو يتماثل تماما مع مسمى "عناقيد الغضب" الذي ابتدعه شيمون بيريز ليخرج خلاله حقده الأسود ضد الشعب اللبناني مقترفا جريمة مذبحة قانا بعد أن أعيته الحيلة أمام صمود وضربات المقاومة اللبنانية, فلا تختلف عناقيد الغضب عن أيام الندم، وإذا كان الندم هو مصطلح لا يعرفه الطغاة إلا بعد انكسارهم - فإن هذا المصطلح لا يتماشى مع عقيدة أولئك الذين يبذلون أرواحهم ابتغاء مرضاة الله ولا أولئك الذين يودعون شهدائهم بالزغاريد والأهازيج.

 

 ولو أنصف شارون و موفاز لأطلقوا على عملياتهم اسم "أيام الحقد" بدلاً من أيام الندم كي يتلاءم الاسم مع ما يحدث وينسجم مع ما يخرجه شارون من أحقاد وينفثه من سموم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بداية الصفحة


موضوعات في نفس الباب

غــــــــارة علي خطــــــابنا الوطــني بقلم : فهمـي هـويـــدي


رأى الأهرام تسوية ديون العراق ليست وحدها المعضلة


عالم جديد أمريكا الأصولية تواجه العالم‏(2)‏ المستوطنون قبل ...


آن للسلطة أن تتمسك بوعد بوش ودعم بلير وأوروبا لاستكمال قيام ...


ياسر عرفات‏:‏ الرمز والأسطورة والحقيقة بقلم : د‏.‏ محمد نعمان ...


مانـديــلا ـ‏2‏ بقلم : د‏.‏ جمال سلامة علي


ثلاثون يوما من الرياضة بقلم : د‏.‏ القس صفوت البياضي رئيس ...


وجهة نظر مسرحيات بلا جمهور‏!‏ بقلم : محمد يوسف المصري


السحابة الحمراء‏!‏ بقلم : عـماد رحــيم


رأى الأهرام ليس تجميلا لما يجري في العراق